فوزي آل سيف

16

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

واستفاد من التعبير (عائدا في علته التي كانت وفاته منها في هذه السنة) أن هذه العلة طويلة وبالتالي لم يكن موته بالسم. والثانية: ما رواه أبو هاشم الجعفري كما نقله عنه ابن قولويه، قال: دخلت انا ومحمد بن حمزة عليه نعوده وهو عليل، فقال لنا: وجهوا قوما إلى الحائر من مالي..[63] والثالثة: من نفس الراوي ولكن بشكل آخر " بعث إليَّ أبو الحسن (عليه السلام) في مرضه". ورأى هذه الأخيرة أبلغ دلالة في أن مرضه كان طويلا ومعلوما لشيعته! وأيضا هنا استفاد من تعبير (وهو عليل) وفي الأخرى (في مرضه). والرابعة: نقل عن المسعودي: واعتل أبو الحسن علته التي مضى فيها.. وقال: دون أي تلميح أو إشارة إلى السم أو التسميم، ومن المعلوم أن المسعودي مؤرخ خبير متتبع واسع الاطلاع كما أنه كان وثيق الصلة بالأوساط الشيعية كبير الاهتمام بسير الأئمة وهو مصنف الكتاب الفائق الأهمية الذي أخذنا عنه هذا النص فعدم ذكر التسميم منه حجةٌ نافية لأنه صدر عن عارفٍ أهلٍ وفي مقام البيان. ولنا مع الدكتور المهاجر وقفات في ما ذكره: الأولى: أنه كما يحتمل أن يكون الدافع للقائلين بمسموميته هو الميل لرسم صورة مأساوية للأئمة عليهم السلام ومنهم الإمام الهادي، فكذلك يحتمل أن يكون دافع المنكرين لذلك هو الميل لرسم صورة بطولية ثورية له.. وإنما المتبع بين هذا وذاك هو ما تقتضيه القرائن التاريخية. الثانية: إن الشيخ المهاجر وهو المحقق المتتبع قد ذكر بأن القائلين بمسموميته لم يقدموا دليلا موضوعيا على ذلك سوى الروايات المتوسطة والمتأخرة.. وهو منه عجيب! فإن نفس المسعودي الذي استشهد به غير مرة وأعظم شأنه، قد ذكر في نهاية الفقرة في مروج الذهب والتي نقل قسمها الأول بعنوان الرواية الأولى (.. عائدا في علته التي كانت وفاته فيها) واستشهد بها على ما ذهب إليه، نفسها في آخرها يقول المسعودي: وقيل إنه مات مسموما[64]! بفارق صفحة واحدة عن الرواية السابقة! فما هو المطلوب أكثر من هذا؟ وأي صراحة أكثر؟ ولماذا يستشهد بكلمة غير واضحة في معناها ـ كما سيأتي بيانه ـ وتترك كلمة أخرى صريحة في أن هناك قولا بأنه مات مسموما؟ الثالثة: إننا لا نرى ولا أظن غيرنا يرى بأن كلمة (مات في علته) أو زرناه في علته التي مات فيها، تنفي أن يكون قد تم تسميمه؟ فلماذا لا تكون تلك العلة على أثر ذلك السم؟ خاصة إذا علم أن السم منه ما يقتل فورا ومنه ما يسبب مشاكل في البدن تكون نهايتها الموت؟ الرابعة: إن المسعودي في مروج الذهب يحرص على أن لا يبدي الصورة الشيعية الكاملة التي يعتقدها، ولا نعلم أسباب ذلك هل لكونه يعيش تحت ظل الخلافة العباسية حيث كانت حياته بين (سنة 283 هـ - 346 هـ) أو لرغبته في أن يعم الكتاب وينتشر في دوائر واسعة وألّا يحاصر أو لغير ذلك من الأسباب، فإن هذا أمر ملحوظ لمن تأمل في الكتاب، إلى الحد الذي جعل بعض الرجاليين يشكون في تشيعه! ومع ذلك ذكر في حياة عدد من الأئمة أنهم سُمموا ولكن بصورة (قيل)[65]وكان ممن ذكره بهذه الطريقة الإمام علي الهادي. وأما في إثبات الوصية، فإنه وإن أظهر هويته الشيعية بالكامل إلا أنه لم يتعرض إلى طريقة موت الأئمة عليهم السلام إلا نادرا ونص على مسمومية الإمام الحسن والكاظم عليهما السلام فقط، دون أن يتحدث عن مسمومية الأئمة الآخرين. الخامسة: إن مسمومية الإمام قد نقلها غير المسعودي، فقد نقل ابن شهراشوب[66]عن ابن بابويه أنه سمه المعتمد.

--> 63 ) بن قولويه؛ جعفر بن محمد: كامل الزيارات ٤٥٩ 64 ) مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج ٤، المسعودي، ص ٨٦ 65 ) فقد ذكر في شأن الإمام الصادق فقال 3/285: توفي أبو عبد الله جعفر وقيل إنه سم، وفي شأن الإمام الرضا قال 3/ 441: وقبض علي بن موسى لعنب أكله وأكثر منه وقيل: إنه كان مسموما، وفي شأن الإمام الجواد عليه السلام قال 3/464: في سنة 219 قبض محمد بن علي بن موسى وقيل إن أم الفضل سمته. وبنفس الطريقة قال عن الامام الهادي: وقيل إنه مات مسموما. 66 ) المناقب، ج ٤، ابن شهر آشوب، ص ٤٠١ حيث قال: وقال ابن بابويه سمه المعتمد..